ابن خلكان
13
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
بالمغازي فقال : شهدت القوم وإنه أعلم بها مني . وقال الزهري : العلماء أربعة : ابن المسيب بالمدينة ، والشعبي بالكوفة ، والحسن البصري بالبصرة ، ومكحول بالشام . ويقال إنه أدرك خمسمائة من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وحكى الشعبي قال : أنفذني عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم ، فلما وصلت إليه جعل لا يسألني عن شيء إلا أجبته ، وكانت الرسل لا تطيل الإقامة عنده ، فحبسني أياما كثيرة حتى استحثثت خروجي ، فلما أردت الانصراف قال لي : من أهل بيت المملكة أنت ؟ فقلت : لا ، ولكني رجل من العرب في الجملة ، فهمس بشيء ، فدفعت إليّ رقعة وقال لي : إذا أديت الرسائل إلى صاحبك فأوصل إليه هذه الرقعة ، قال : فأديت الرسائل عند وصولي إلى عبد الملك وأنسيت الرقعة ، فلما صرت في بعض الدار أريد الخروج تذكرتها ، فرجعت فأوصلتها إليه ، فلما قرأها قال لي : أقال لك شيئا قبل أن يدفعها إليك ؟ قلت : نعم ، قال لي : من أهل بيت المملكة أنت ؟ قلت : لا ، ولكني من العرب في الجملة . ثم خرجت من عنده ، فلما بلغت الباب رددت « 1 » ، فلما مثلت بين يديه قال لي : أتدري ما في الرقعة ؟ قلت : لا ، قال : اقرأها ، فقرأتها فإذا فيها « عجبت من قوم فيهم مثل هذا كيف ملّكوا غيره » ، فقلت له : واللّه لو علمت « 2 » ما حملتها ، وإنما قال هذا لأنه لم يرك ، قال : أفتدري لم كتبها ؟ قلت : لا ، قال : حسدني عليك ، وأراد أن يغريني بقتلك ، قال : فتأدى ذلك إلى ملك الروم فقال : ما أردت إلا ما قال . [ ولما حمل الشعبي إلى عبد الملك ونادمه قال له : يا شعبي ، لا تساعدني على قبح ولا تردّ عليّ الخطأ في مجلسي ولا تكلفني جواب التشميت ولا جواب السؤال والتعزية ، ودع عنك كيف أصبح الأمير وكيف أمسى ، واجعل بدل التعريض لي صواب الاستماع مني ، واعلم أن صواب الاستماع أولى من صواب القول ، وإذا سمعتني أتحدث فلا يفتك منه شيء ، وارعني فهمك وسمعك ، ولا تجهد نفسك في تطرية سواي ، ولا تستدع بذلك الزيادة من كلامي ، فإن
--> ( 1 ) ر : ردني . ( 2 ) ص : علمت ما فيها .